مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

113

تفسير مقتنيات الدرر

والإعلام بانّ اللَّه بريء من عهد المشركين وحذف المضاف ورسوله بريء منه . فلو قيل : لا فرق بين قوله : « بَراءَةٌ مِنَ اللَّه ِ وَرَسُولِه ِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » وبين قوله : « أَنَّ اللَّه َ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُه ُ » فما الفائدة في هذا التكرار ؟ فالجواب أنّ المقصود من الكلام الأوّل إخبار ثبوت البراءة ، ومن الثاني الأمر بإعلام الناس هذا المعنى . أو البراءة الأولى براءة العهد والبراءة الثانية براءة الَّتي هي نقيض الموالاة لأنّ في الأولى بدل براءة العهد وفي الثانية بدل البراءة من نوعهم أعمّ من أن يكونوا بصفة العهد بل مطلقا يجب ترك الموالاة . قوله : * ( [ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ] ) * في هذه المدّة ورجعتم عن الشرك إلى توحيد اللَّه فاستدركم الخير من اللَّه وتنجون عن عذاب اللَّه . وإن بقيتم على الشرك فاعلموا أنّكم لا تعجزونه عن تعذيبكم ، وهذا الإمهال ليس من العجز بل هو لإتمام الحجّة . وأوعدهم بعذاب الآخرة بقوله : [ بشرهم * ( بِعَذابٍ أَلِيمٍ ] ) * ولفظ البشارة للتهكّم وورد على سبيل الاستهزاء كما يقال : إكرامهم الشتم وتحيّتهم الضرب * ( [ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ ] ) * وهم قوم من بني كنانة وبني ضمرة كما ذكرنا سابقا فإنّهم لم ينقصوا وكان بقي من أجلهم تسعة أشهر أمر اللَّه بإتمامها لهم وأوفى لهم الرسول ، فإنّهم لم يضرّوكم شيئا ، ولم يعاونوا عليكم أيّها المؤمنون أحدا من أعدائكم * ( [ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ] ) * إلى انقضاء مدّتهم الَّتي وقعت المعاهدة * ( [ إِنَّ اللَّه َ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ] ) * لنقض العهود . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 5 ] فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّه َ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) يقال : سلخت الشهر إذا خرجت منه وأهللت الشهر إذا دخلت فيه قال الشاعر : إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله كفى قائلا سلخي الشهور وإهلالي والسلخ اسم لانفصال الشيء عن مكانه المعيّن فلذلك إذا تمّ الشهر فقد انفصل عن إحاطة ذلك الشهر به ودخل في شهر آخر . وبالجملة فإذا تمّت الأشهر المحرّمة الأربعة أذن في أربعة أشياء : أوّلها فاقتلوهم